السيد عبد الحسين شرف الدين ( اعداد منذر حكيم )

فلسفة الميثاق والولاية 19

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين

ورسوله بخصائصه من سوابقه ولواحقه منزلة قد انقطعت دونها المطامع . وبذلك دبّت عقارب الحسد له في قلوب المتنافسين من الزعماء وكبار القوم ، فاجتمعوا على نقض عهده مهما كلّفهم الأمر ، ومهما قاسوه من شدّة وعناء . وكان العرب قد تشوّفوا إلى تداول الخلافة في قبائلهم ، فأمضوا نيّاتهم على ذلك ، وشحذوا عزائمهم للقيام به ، فتبايعوا على صرف الخلافة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن بني هاشم ، مخافة أن لا تخرج عنهم إذا كان الخليفة الأوّل منهم . وصافقوا على جعلها من أوّل مرّة بالاختيار والانتخاب ؛ ليكون لكلّ قبيلة من قبائل العرب أمل في الوصول إليها ولو بعد حين . وتلك مكيدة من ساسة العرب لم تهتد ساسة اوربّا لمثلها أبدا ، كادوا بها عليّا وسائر الأئمّة من بني هاشم ، حيث جمعوا بها قبائل العرب إليهم وأفردوا بني هاشم عن جميع العرب ، إلّا عن ثلّة من المخلصين . ومن تتبّع شؤون قريش وسائر العرب على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنّهم ما كانوا ليصبروا على حصر الخلافة في بيت مخصوص ، ولا سيّما إذا كانت في بني هاشم ، وخصوصا إذا تقلّدها عليّ أمير المؤمنين . وهيهات هيهات أن يصبروا على ذلك ، وقد طمحت إليها الأطماع من جميع قبائلهم ، وحامت عليها النفوس من كلّ أحيائهم . وقد هزلت حتّى بدا من هزالها كلاها وحتّى استامها كلّ مفلس « 1 » على أنّ من ألمّ بتاريخ قريش وسائر العرب في صدر الإسلام ، يعلم أنّهم لم يخضعوا للنبوّة الهاشميّة إلّا بعد أن تهشّموا ولم يبق فيهم من قوّة ، فكيف يرضون في اجتماع النبوّة والخلافة في بني هاشم ، وقد قال عمر في كلام دار بينه وبين ابن عبّاس : إنّ قريشا كرهت أن تجتمع فيكم النبوّة والخلافة فتجحفون على الناس ! « 2 » وبالجملة ، فإنّ أولئك الطغام قد نزعوا أيديهم من يد الإمام ، وطووا ضلوعهم على

--> ( 1 ) - . ذكره ابن كثير من أشعار عليّ بن أحمد في البداية والنهاية 88 : 12 ، حوادث سنة 448 . ( 2 ) - . للمزيد راجع : الكامل في التاريخ 63 : 3 ، حوادث سنة 23 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 53 : 12 .